الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
243
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
بإطلاق الصيغة لكون الواجب نفسيّاً لا غيريّاً « 1 » . وفيه : إنّ الجزئي وإن استحال تقييده بعد تحقّقه في الخارج إلّاأنّه لا ريب في إمكان تقييده وتضييقه قبل الإيجاد من باب « ضيّق فم الركّية » . وثانياً : بأنّ المعاني الحرفيّة وإن كانت كلّية إلّاأنّها ملحوظة بتبع لحاظ متعلّقاتها أعني المعاني الإسميّة ؛ لكونها قد اتّخذت آلة لملاحظة أحوال المعاني الإسميّة ، وما كان هذا شأنه فهو دائماً مغفول عن ملاحظته بخصوصه ، وعليه فكيف يعقل توجّه الإطلاق والتقييد إليه ؟ لاستلزامه الالتفات إليه بخصوصه في حال كونه مغفولًا عنه بخصوصه وهذا خلف « 2 » . والجواب عنه واضح أيضاً ، وذلك لما مرّ من أنّ المعاني الحرفية تابعة للمعاني الإسميّة في الوجود الذهني والخارجي ، وهو لا يلازم كونها مغفولًا عنها ، بل إنّها قد تصير ملحوظة وملتفتاً إليها بتمام اللحاظ والتوجّه ، نظير ما نقل عن المحقّق نصير الدين الطوسي رحمه الله حيثما حضر في درس المحقّق الحلّي رحمه الله وأفتى باستحباب التياسر في القبلة لأهل العراق فسأله المحقّق الطوسي رحمه الله : التياسر من القبلة أو إلى القبلة ؟ فأجاب المحقّق رحمه الله : « من القبلة إلى القبلة » « 3 » ، فلا مانع من إطلاق المعنى الحرفي وتقييده من هذه الناحية . أمّا الأصل العملي فيما إذا لم يكن هناك إطلاق فيتصوّر له ثلاث صور : الصورة الأولى : ما إذا شككنا في النفسيّة والغيريّة قبل مجيء وقت ما يحتمل كون المشكوك مقدّمة له ، كما إذا شككنا قبل الظهر في أنّ غسل الجنابة واجب نفسي أو غيري للصّلاة ، فلا إشكال في أنّ الأصل في هذه الصورة إنّما هو البراءة ، فإنّه إن كان غيرياً لم يجب الإتيان به لعدم وجوب ذي المقدّمة فعلًا .
--> ( 1 ) . مطارح الأنظار ، ص 67 ( 2 ) . حكاه في بدائع الأفكار ، للآملي ، ج 1 ، ص 373 ( 3 ) . انظر : المهذّب البارع ، ج 1 ، ص 312